وذكر الشافعية أنه إذا وقع العقد النكاح أثناء الإحرام وقبل التحلل كان باطلًا، فقال الشربيني رحمه الله في "مغني المحتاج" (4/ 258): "إحرام أحد العاقدين من ولي أو زوج أو وكيل عن أحدهما أو الزوجة بنسك - ولو فاسدا - يمنع صحة النكاح؛ لحديث: «المحرم لا ينكح ولا ينكح» رواه مسلم".
وذهب الأحناف إلى صحة عقد نكاح المحرم، وقالوا إنما يحرم الوطء «يعني الدخول والجـ,ـماع»، كما جاء في كتاب "الاختيار" للموصلي: "يجوز أن يتزوج المحرم حالة الإحرام، لأن النبي عليه الصلاة والسلام «تزوج ميمونة وهو محرم».
والمحظور الوطء ودواعيه، لا العقد، وهو محمل ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام «نهى أن ينكح المحرم». ورأى الأحناف أنه إذا حدث الدخول -بناء على صحة العقد عند الحنفية- فيجب ذـ بـ ـ ح شاة توزع في الحرم عن كل جماع عند أبي حنيفة، خلافا للصاحبين، قال في "الاختيار" (1/ 165): "إن جامع فيها -أي العمرة- بعد أربعة أشواط لم تفسد؛
لوجود الأكثر، وعليه شاة؛ لأنها سنة [يعني العمرة]". وقال ابن نجيم رحمه الله في "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" (3/ 19): "لو جامع بعد ما طاف أربعة أشواط لزمه شاة، ولا تفسد عمرته؛ لأنه أتى بالركن"، وفي "الجوهرة النيرة" للحدادي (1/ 171): "من جامع في العمرة قبل أن يطوف لها أربعة أشواط أفسدها ومضى فيها وقضاها وعليه شاة، وإن جامع بعدما طاف لها أربعة أشواط فعليه شاة.
ولا تفسد عمرته". وقال جُمْهُورَ أَهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّ العقد فَاسِدٌ، بِمَعْنَى: أَنَّ آثَارَهُ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ، نَقُولُ بِهَذَا العَقْدِ: لَا يَحِلُّ لَكَ فَرْجُهَا، وَلَيْسَتْ زَوْجَةً لَكَ، وَلَوْ مَاتَتْ لَمْ تَرِثْهَا؛
لِأَنَّهَا ليَسْتَ زَوْجَةً لَكَ، وَلَا تَكُونُ هُنَاكَ مَحْرَمِيَّةٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، إِلَى آخِرِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الزَّوَاجِ؛ لِأَنَّ هَذَا نِكَاحٌ فَاسِدٌ، وَهَذَا هُوَ رَأْيُ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ، وَالنَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى ذَاتِ النِّكَاحِ، فَإِذَا تَوَجَّهَ النَّهْيُ إِلَى شَيْءٍ أَبْطَلَهُ.
واستدَلَّ جمهور العلماء عَلَى هَذَا بمَا ثَبَتَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي «مُوَطَّأ مَالِكٍ»: «لَمَّا تَزَوَّجَ أَبَا غَطْفَانَ المُرِّي امْرَأَةً، رَدَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نِكَاحَهُ» يَعْنِي: أَبْطَلَهُ، وَثَبَتَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ فِي «سُنَنِ البَيْهَقِيِّ»، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، فَإِنْ نَكَحَ رُدَّ نِكَاحَهُ» يَعْنِي: أُبْطِلَ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ مَقْبُولًا.
ورد جمهور العلماء على رأي الأحناف: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» فَلإن الجواب مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا قَالَ: «وَهُوَ مُحْرِمٌ»، ذَكَرَ جَمْعٌ مِنَ العُلَمَاءِ -وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهِمَ فِيَ هَذَا؛
لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدِ بْنِ الأَصَمِّ -وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ خَالَتَهُ وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ مَيْمُونَةَ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ». وأوضح جمهور العلماء: فَيَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ يُخْبِرُ عَنْ قَوْلِ مَيْمُونَةَ صَاحِبَةِ القِصَّةِ وَالشَّأْنِ، وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهَا وَإِنَّمَا أَخْبَرَ هُوَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَهِمَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إِرْسَالٌ بَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، إِلَّا أَنَّهُ يَشْهَدُ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ الَّذِي فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، قَالَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا، وَبَنَى بِهَا حَلَالًا».



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.